المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " الرحيل .. " قصة فيصل الزوايدي (تونس)


فيصل الزوايدي
2009-01-02, 05:36 PM
الرحـيــلُ ..

يا الصابرونَ على الـهمِّ ، ضاقَت عِندَ العُمر أُمنِياتـي ، و ذاقَت نَفسي وَجَعَ الفجائِعِ ..
من جَنوبٍ كان الرحيلُ يومًا .. باردًا يومًا .. لكن لهيبًا ما يلفحُ وَجهـي ، و شتاتٌ مُبعثَرٌ مِني تعبثُ بِهِ رياحٌ شتى ، تقفُ أُمي عند عتبةِ البابِ و بيدها إناءُ ماءٍ لِتَصبه ورائي حتـى أعودَ إليها ، و فـي عَيْنَيْها بريقُ ماءٍ آخر .. لَـم تَقُل شيئًا لكن تـمتمات تصدرُ مُبهمةً عن شَفَتَيْها ، خـمنت أنـها أدعيةٌ بالـحفظِ و العودةِ .. أخي الصغير واقـفٌ حذوها بقميصهِ الـمتهدلِ و إصبعه تعبثُ بِأنفِهِ ، ينظرُ بغرابةٍ إلينا ، فهو لا يَـعلم بعدُ معنـى الرحيلِ .. مِنَ النافذةِ الـخشبية الزرقاء تُطل أختي و هـي تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ جزعةٍ إلى داخلِ الغرفة ، هنالك أبـي على فراشٍ سقيمًا ، مرضٌ داهـمَه فلازَمَهُ فأقعَدَهُ .. تـحسَّنت حالُــه قبلَ يومين فأخبرتُه بـموعدِ الرحيل ، لَـم يقُل شيئًا لكني أحسستُ في صمتهِ الرهيبِ توسلا بالبقاءِ .. و مِن عَينَيْهِ اللتين تـهدَّلت عليهما الأجفان صَرَخَ استجداءٌ مزلزلٌُ بعَدَمِ الرحيلِ .. و لكن أنّى لـي ذلكَ و لَـم أبلُغ فرصة َ السـفرِ هَذِهِ إلا بعناءٍ قد لا أستطيعُه ثانيةً.. كذلك الـحصولُ على تأشيرةِ سفرٍ إلـى البلاد التي أقصدُ ليس متيسرًا دومًـا .. و يـتَعَثَّرُ تدفق الـدم عَبرَ الشرايين فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..
ارتفع صوتُ مُـحَرِّكِ السيارةِ الـمتوقفةِ أمامَ البـيت ، فقد ضغطَ السائقُ على دَواسةِ البنزين لِيَستَحِثَّني ، بابُ العربةِ مفتوحٌ يطلُبُني إلـى حياةٍ جديدةٍ .. حياة رسـمَتها أحلامٌ و أوهامٌ .. هنالك بعيدًا خلفَ سفرٍ طويلٍ إلـى أرضِ الوُجوهِ الشقراء و الـمالِ الوفير و الـمباهجِ .. ينفتحُ بـهدوءٍ بابُ منزلٍ مُـجاورٍ تـخرجُ مِنه فتاةٌ اتفقَت عائلتان يومًا على تزويـجي مِنها فهي ابنةُ خالـي .. لـم تَكُن الفتاةُ قبيحةً حتى أرفضَها زوجـةً بل على النقيض مِن ذلك كانت من ذوات الـحُسنِ خاصةً مَعَ ابتسامةٍ ساذجةٍ تُذكِّـرنـي كثيرًا بابتسامةِ أبيها الطيبِ .. لكني كُنتُ أرفُضُ ذلكَ الارتباطَ الذي يَشُدُّنـي إلى حياةِ البُؤس هنـا، تـمسَحُ أمي أنفَها بِطَرَفِ ردائِها و أَلـحَظُ غــيابَ أختي عن النافذةِ . يُصبِحُ التقاطُ الـهواءِ إلى صدري عمليةً أكثرَ صعوبةً ، تذَكَّرتُ كلامَ أبـي الكثير عن كَونـي رجلَ الدارِ بعدَه فكنت أُجيبُه بأن أدعوَ له بطولِ العُمرِ فيُجيبُنـي : يَطولُ العُمرُ أو يَقصُر فلابد للإنسانِ أن يُقبَـر .. تداخَلَت الصورُ أمامي مِن صبـيٍّ أسـمرَ يَلهو عند مَشارِف الصحراء إلـى شُقرِ الوجوهِ فـي بِلادٍ ثلجيةٍ و اختلطت الألوانُ فـي مزيجٍ غريبٍ ، أفقـدُ كلامًا كثيرًا كان مِنَ الـمُمكِنِ قولـه فـي هذا الـمقامِ ، فلا أجِـد مـا أقول فأصمتُ، لـم يَكُن للحظةِ و لا للزمنِ غـير معنى واحدٍ مُـختَلفٍ لا يعرِفُهُ الساعاتِِيّون .. و أخشى انفجارًا بداخلي فأُلقي حَقيبَتي الصغيرة على الـمقعدِ الـخَلفي و أهُـمُّ بإلقاءِ نفسي داخلَ السيارةِ و لَكن..
يسقُطُ إناءُ مـاءِ على الأرض فقد كان ولدي الصغيرُ قد أوقع قدحًـا من يَدَيْهِ .. تـمامًا مثلما سَقَطَ إناءُ الـماءِ من يَدَيْ أمي يومَها عندما ارتفَعَ صوتُ أختي مِن النافذةِ الخشبيةِ الـزرقاء بصيحةٍ مـجروحَةٍ تُعلِنُ وقوعَ الفادحةِ ..
تنحنـي زوجتي تُلَمْلِمُ شظايا القَدَحِ و تبتَسِمُ بطيبةٍ ساذجةٍ تُذَكِّرُنـي بـخالـي الطيب.

فيــــصل الزوايـــــــدي

حـــ وورق ـــبر
2009-01-06, 03:33 PM
الرحـيــلُ ..

قد اخذتنا معها بجمالها


استاذي الكريم
دام عطر قلمك
اخوك
حــبــر

انثيال بوح
2009-01-08, 11:42 PM
التقطت صورها وكأني بها تمر أمامي!
تحايا شكر سامقة كالذي كتبت

الفرح
2009-01-10, 09:37 PM
جر حبال الوصل
بين جذور المرء وطموحه
بين واقعه وأحلامه
بين رفضه وقبوله


كان الفاجعة هي القرار الحاسم
كأن الاب أهدى روحه لأجل بقائك


شكراً أيها الرائع المبدع لهذا الفكر المتألق

حماكم الله

فيصل الزوايدي
2009-01-13, 03:28 AM
الرحـيــلُ ..

قد اخذتنا معها بجمالها


استاذي الكريم
دام عطر قلمك
اخوك
حــبــر

أخي الكريم يسعدني رأيك في ما اكتب كثيرا و اعتز بمشاعرك فشكرا لك
دمت في الخير

فيصل الزوايدي
2009-01-13, 03:29 AM
التقطت صورها وكأني بها تمر أمامي!
تحايا شكر سامقة كالذي كتبت

يسعدني تفاعلك الحميمي كثيرا اختي الكريمة فشكرا لهذا التفاعل الراقي ..
دمت في الخير

فيصل الزوايدي
2009-01-13, 03:33 AM
جر حبال الوصل
بين جذور المرء وطموحه
بين واقعه وأحلامه
بين رفضه وقبوله


كان الفاجعة هي القرار الحاسم
كأن الاب أهدى روحه لأجل بقائك


شكراً أيها الرائع المبدع لهذا الفكر المتألق

حماكم الله

تسعدني اطلالتك دوما أيتها الفرح و اعتز برأيك و بتفاعلك كثيرا
دمت في الخير

عبق الورد
2009-01-23, 02:06 PM
نص فـــاخر
جعلنــي .. وكأني اقبع خلف النافذه الزرقاء

بجانب اختك
واربت على كتفها واحثها ان تهدئ من روعها وان تبعد الحزن عن قلب والديها

الى ان تعود ..

فيصل الزوايدي
2009-02-08, 01:36 AM
نص فـــاخر
جعلنــي .. وكأني اقبع خلف النافذه الزرقاء

بجانب اختك
واربت على كتفها واحثها ان تهدئ من روعها وان تبعد الحزن عن قلب والديها

الى ان تعود ..

اعتز بتفاعلك كثيرا اخت عبق الورد و قد اسعدني كثيرا رأيك في القصة ..
دمت في الخير