المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : توفيق الحكيم ...ابن العائلة....!!!!


حليمة اوسطة
2011-11-02, 06:41 PM
.. أرستقراطي النشأة ، وُلد في الأسكندرية في 9 تشرين أول عام 1898 من أب مصري كان يعمل في سلك القضاء وأم أرستقراطية من أصل تركي والدها كان ضابطاً في الجيش التركي ،لقد كانت تزرع في داخله النظرة المتعالية نحو الفلاحين وأبنائهم ، مما اضطرّه إلى أن يعيش مع ذاته ومع عالمه العقلي الداخلي ...عمل والداه على تعليمه وتثقيفه وتوصيله إلى أعلى المراتب ، ونزولا عند رغبة والده تخصّص في مجال المحاماة ، فحصل على شهادة في المحاماة وتدرّج في مكتب أحد المحامين ، إلى أن حصل والده من خلال دعم أحد المسؤولين إلى إيفاده في بعثة دراسية إلى باريس لمتابعة دراساته العليا والحصول على شهادة الدكتوراه في الحقوق.
لم يحصل توفيق الحكيم على شهادة الدكتوراه ، لأنه اتجه نحو الأدب المسرحي والقصص وتعرّف عل المسارح الفرنسية ودار الأوبرا ، واكتسب من خلالهم ثقافة أدبية وفنية واسعة إذ اطلع على الأدب العالمي وفي مقدمته اليوناني والفرنسي ،كما واستفاد الحكيم كثيراً من الفترة التي قضاها في فرنسا خاصة ما يتعلّق بمسرح النهضة ورواده كورني وراسين وموليير . وكان حتى نهاية حياته مصارعاً حقيقياً من أجل حياة أفضل ومجتمع أكثر عدالة وديمقراطية . عاد الحكيم إلى مصر وعمل في محاكمها وكيلاً للنائب العام ،ومن ثم انتقل إلى وزارة المعارف ومنها إلى مراكز عديدة لها علاقة بالشأن الإجتماعي والثقافي والتعليمي والأدبي ...
لقد أصبح توفيق الحكيم رائدَ المسرح المصري وله البصمة الأولى في تغيير مساره من الأعمال الهزلية والغنائية والميلودرامية التي كانت سائدة قبل العام 1928 إلى الأعمال الإجتماعية والفلسفية والذهنية التي قاد مسيرتها ، ولعل أبلغ مثال على ذلك مسرحية أهل الكهف (التي تتحدّث عن صراع الإنسان مع الزمن) والتي تعتبر ثورة في تاريخ المسرح المصري . إنه أول مَن جعل كتابة المسرح باباً من أبواب الأدب ، فالمسرح قبله كان إجتهادات منها كثير بالعامية وقليل بالفصحى . ولكن الحكيم هو الذي جعل المسرح بالفعل باباً من أبواب الأدب العربي ، وامتاز أسلوبه برشاقة العبارة ورشاقة الحوار وذكائه ،مسرح الحكيم يستهوي القارىء ويطرح عليه موضوعات فكرية وفلسفية عميقة .
كان توفيق الحكيم كاتباً يعيش هموم عصره ، ما من قضية من قضايا الحياة الكبرى التي تمسّ الإنسان وتطوره إلا وشغلته من خلال إرادة خاصة في الإحتفاظ برأيه بعيداً عن السياسة حتى يحافظ على سلطةِ فكرةٍ مستقلة ، وكان الحكيم قد أعلن أنّ المفكر كالراهب ولكنّه لم يكن منعزلاً عن الحياة ومبتعداً عن المجتمع ، لقد كان يرفض أن ينضمّ إلى أي حزب سياسي حتى لا يُستخدم كآلة مسخّرة في أيدي رجال السياسة ، لأنه كان يؤمن بأنّ المفكّر الذي يندرج تحت سلطة حزب هو مفكّر هارب من رسالته ، لأن الهروب إلى معسكر الساسة هو الذي جرّد الفكر من سلطانه وجعل منه تابعاً لا متبوعاً . ولقد أسهمت أفكار الحكيم عن السياسة في سخاء عطائه دون قيود .
للحكيم تجربة مع مسرح العبث ، عندما شاهد مسرحية "نهاية اللعبة" لصموئيل بيكيت الإيرلندي ، إنفعل بالشكل المسرحي الذي قُدّمت به وهداه تفكيره إلى الأغنية الشعبية "يا طالع الشجرة هات لي معاك بقرة ..." رأى فيها آلام ومعاناة الشعب المصري من الجوع والبطالة وسعيه وراء رزقه من خلال الحلم ببقرة تسقيه اللبن .
إستطاع توفيق الحكيم أن يبدع من خلال هذه الأغنية الشعبية مسرحية تعتبر من أهم مسرحياته ، لأنه استطاع أن يوفق فيها بين أصالة الأغنية الشعبية وبين كل القضايا التي يطرحها مجتمع القرن العشرين بل ومجتمع القرن والواحد والعشرين . لقد إستطاع أن يرى في عبثية هذه الأغنية قضية الأنفجار السكاني وقضية الجوع ، وقضية البحث عن المزيد من الغذاء والماء .
لم يكتفِ بتقديم مسرحاً منوّعاً يغطي كافة أغراض الوظيفة الإجتماعية وإنما قدّم أيضاً تنظيراً مسرحياً أدباً ولغةً وعرضاً ، فقد سبق الجميع إلى البحث عن مسرح مصري نابع من الأرض المصرية والتراث المصري ، هذا فضلاً عن تقديمه تجربة في لغة المسرح قال عنها "اللغة الفصحى لغتنا التي نتحاور معها وهي قادرة على أن تعبّر عن كل ما يتجدّد من أهدافنا وهي هويتنا الحقيقية".
إنّ جميع مسرحيات الحكيم محمّلة بالمعاني السياسية، وإلاّ فما الهدف من أهل الكهف وشهرزاد وسليمان الحكيم والسلطان الحائر بعد نجاح ثورة 23 يوليو ، لقد واجه في مسرحية السلطان الحائر مشكلة من أصعب المشاكل التي نوقشت أبان ثورة 23 يوليو والمتعلقة بسؤال هام هل الحكم بالقوة وبالسيف أم بالعدل والقانون ؟ وانتهى إلى أنّ الحكم لا يصحّ إلا بالمنطق والعدل والقانون ، ولكنّ الحكيم تناول هذه القضية بهدوء بعيداً عن الصراخ والصوت العالي .
إنّ توفيق الحكيم تاثّر في كتاباته بالأماكن التي عاش فيها في الإسكندرية والريف والقاهرة خاصة منطقة السيدة زينب ، وتأثّر بمتغيرات عصره السياسية والإجتماعية والإقتصادية منذ الثلاثينات حتى وفاته في 26 تموز عام 1987 ، ولم ينفِ الحكيم أن البدايات عنده بدأت كغيره من الكتّاب بالإقتباس أكثر من التأليف .

لقد قال الممثل المصري سعد أردش : " إنّ الدراما في مسرح الحكيم تبدو فيما وراء الجمل وهذا شأن المسرح الخالد . وأنه ليس هناك مسرح خالد ويعتمد فقط على اللفظ بل على ما وراء اللفظ مهما تغير الزمان والمكان ، ويستطيع أن يعبّر عن أي واقع مهما كانت شخوصه ".